كوكب من الفيروسات

في كل عام، يجول وباء الإنفلونزا في العالم مخلفاً مئات الملايين من الأنوف “المزكمة”، وبرغم أن فيروس الإنفلونزا يقتل عدداً من الناس كل عام، إلا أن هناك فيروسات أشد فتكاً، كفيروس إيبولا الذي قتل آلافاً من الناس. ولكن … هل جميع الفيروسات سيئة؟ هل لها فائدة؟ أم أن جميعها ضارة؟

يُعتَبَر الزكام أحد الأمراض التي نتعامل معها جميعاً، تصيبنا وقد أصابت آباءنا من قبلنا وأجدادنا من قبلهم وحتى الإنسان القديم. وتم ذكره في مخطوطة طبية قديمة عمرها ٣٥٠٠ عام هي بردية إبيرس التي تعد أول بردية في التاريخ البشري. وبالرغم من تشابه أعراض الزكام على مر العصور، إلا أن أساليب علاجه اختلفت من زمن لآخر وتطورت كثيراً. فمثلاً كان العلاج المصري القديم عبارة عن خلطة أعشاب وعسل، بينما آمن الرومانيين بأن أفضل طريقة لمحاربته هي بفرك المنطقة المحيطة بالأنف بفأر!

كما اختلف الأطباء والعلماء على مر التاريخ بتفسير سبب حدوثه. فالإغريقيون عللوه بخلل في توازن سوائل الجسم الأربعة: الدم والبلغم والمرارة السوداء والمرارة الصفراء. كما فسر الفيزيائي ليونارد هيل سبب حدوثها بانتقال الجسم من منطقة هواء ساخن لمنطقة هواء بارد. وفي منتصف القرن العشرين تم اكتشاف أن سبب حدوثه هو الرينوفايروس (فيروس الأنف) فهل نعلم كيف نتغلب عليه؟

بالرغم من وجود اختبارات وتجارب على مدى قرون على الزكام إلا أنه لم يتم إيجاد علاج فعّال مباشر وسريع للآن. قد يكون العلاج موجوداً في مهاجمة الرمز الجيني للفيروس، ولكن هل يجب أن نبحث عن ذلك العلاج فعلاً؟ فبرغم المرض إلا أن الفيروس يعتبر مفيداً في تعليم نظام مناعتنا كيفية التصرف ضد العدوى الحميدة مما يجعله أقوى في محاربة الفيروسات الفتاكة.

الإنفلونزا مرض فيروسي آخر ابتليَ به البشر على مدى قرون من الزمان. نعرف اليوم كثيراً عنه عن ماكنا نعرفه مسبقاً، ولكننا مازلنا نعاني من إيجاد علاج فعال موثوق لهذا المرض الفيروسي الذي قد يصبح مميتاً في بعض الأحيان. حيث يقوم فيروس الإنفلونزا بتدمير الغشاء الحامي في المجرى الهوائي للشخص جاعلاً منها سريعة التأثر بمسببات الأمراض الموجودة في الهواء. وقد تسببت الإنفلونزا في مقتل حوالي ٥٠ مليون شخص في اجتياحها الفتاك عام ١٩١٨، وحتى هذا العام فربما تتسبب في مقتل ٢٥٠٠٠٠-٥٠٠٠٠٠ شخص. إذاً ما الذي يجعلها خطيرة لهذا الحد؟ أحد تلك الأسباب، أن فيروس الإنفلونزا ليس فيروساً واحداً بل هي عدة أنواع تتطور وتتبادل جينياً مع بعضها البعض. فمن الصعب جداً إيجاد علاج لفيروس لا يبقى على حاله أبداً! كما أن طريقة انتشار الفيروس تجعله مميتاً، ففيروسات الإنفلونزا تحملها الطيور عادةً ولا تنتشر بين فصائل أخرى، ولكن إن حدث ذلك فإن النتيجة تكون كارثية. ففي كارثة H1N1 في ٢٠٠٩م، هاجمت ٣ أنواع من فيروسات انفلونزا الطيور فصائل الخنازير، اتحدت بعدها لتصبح فيروساً واحداً فتاكاً! وهذا الفيروس بدوره انضم لفيروس انفلونزا الخنازير مما جعله مهيئاً لأن يصيب البشر! المخيف في الأمر أننا لا نعلم متى ولماذا تنتقل الفروسات من الطيور للبشر، ولكن مازالت طرق الوقاية مفيدة جداً كغسل الأيدي بالصابون.

إذاً، هل ستصدق بأن هناك بعض الفيروسات مفيدة جداً لك وللبشر؟ حان الوقت لتتعرف على bacteriophages.
البكتيريافيج أو العاثيات هي فيروسات لها قدرة على معالجة بعض الأمراض لأنها تأكل البكتيريا. تم اكتشافها من قبل الدكتور فيليكس الذي بدأ بتجربتها على نفسه ثم على المرضى لإنها كانت تأكل البكتيريا شيجلا، في بداية الأمر رفض الأطباء الآخرون حقن مرضاهم بفيروس، ولكن بحلول ١٩٤٠م حلت المضادات الحيوية محل العاثيات في معالجات الأمراض، ولليوم للعاثيات دور مهم آخر، ألا وهو حماية المياه.
إن كل لتر من مياه البحر يحتوي على مايقارب 100000000000 فيروس، ولكن لحسن الحظ بأن العاثيات البحرية جزء منها. فهي تقضي على ١٥٪-٢٠٪ من البكتيريا كل يوم.
وبجانب العاثيات، هناك هيئة أخرى من الفيروسات المفيدة هي الفيروسات القهقرية داخلية المنشأ أو Endogenous RetroViruses.
تنشأ هذه الفيروسات داخل أجسام الحيوانات والبشر، تقوم بوضع معلوماتها الجينية في DNA المضيف، حين تنقسم خلايا المضيف تتكرر جينات الفيروس كذلك مكونةً جيناتنا. ويعتبر HERV-W أحد أهم الفيروسات القهقرية. وقد تم اكتشافه في ١٩٩٩م من قبل جين-لوك بلوند بالتعاون مع آخرين. أحد جينات هذا الفيروس ينتج الـsyncytin السينسايتن، وهو عبارة عن بروتين أساسي لربط الخلايا في الطبقة الخارجية من المشيمة، بمعنى آخر بدون الفيروسات القهقرية لن يستطيع البشر حمل الأطفال!

إن معرفتنا العلمية بالفيروسات تتطور باستمرار، فهل لذلك فائدة أصلاً؟ وهل سيساعدنا ذلك في معرفة دور الفيروسات مستقبلاً؟
لنأخذ HIV على سبيل المثال، فمنذ اكتشافه في ثمانينات القرن الماضي، أصاب الفيروس ٦٠ مليون شخص مات منهم مايقارب ٣٠ مليون شخص، فما هو سبب قوته؟
مايقوم به الفيروس هو أنه يدمج خلايا المناعة معاً ثم يضع فيه حمضه النووي، ثم يتكرر بمعدل هائل. في محاولة التصدي، يضعف نظام المناعة، مماً يجعل المصاب عرضة لأمراض خطيرة مثل الإلتهاب الرئوي Pneumonia. لا يمكن الاستهانة بأهمية معرفة العلماء بتاريخ ظهور الفيروس وبداية انتشاره حيث أن ذلك يساعدهم في معرفة خواصه، فالتحقيق في تاريخ HIV أتاح للعلماء متابعة خط تطور الفيروس وبالتالي معرفة تركيبه ونقطة الضعف الموجودة به. وأيضاً يساهم ذلك في تفادي تكرار أخطاء الماضي في مواجهة الفيروس، فكثيراً مايعيد التاريخ نفسه.

إن التقدم في علوم الدواء أتاح للبشر أن يكونوا أفضل في مواجهة الفيروسات من أي وقت مضى، ولكن السؤال المطروح: هل نحن في وضعٍ آمن؟
المشكلة ببساطة تكمن في عدم القدرة على التنبؤ بوقت مهاجمة الفيروس كإيبولا. فقد ظهر أول مرة في ١٩٧٦ في غينيا متسبباً في مقتل ٣١٨ شخص. ثم ظهر في ٢٠١٣ وانتشر بشكل أوسع مسبباً أكثر من ١٠٠٠٠ حالة وفاة.
وقد تختفي الفيروسات من عالم البشر لكنها تستمر بالتطور في عالم الحيوانات ثم تعود بعد مدة لتهاجم البشر مجدداً دون سابق إنذار. مايجعلها تهديداً حقيقياً هو أننا لا نستطيع توقع وقت هجومها التالي.
كما أن أبحاث العلماء في مجال الفيروسات، إن وصلت للأيدي الخاطئة، فإنها قد تسمح بتطوير سلاح بيولوجي يهدد البشرية والأجيال القادمة.

باختصار، إن الفيروسات موجودة في حياة البشر منذ القدم. بالرغم من أنها قدد تتسبب في أمراض ومعاناة إلا أن لبعضا دور في جعل البيئة آمنة. قد لا نستطيع التنبؤ بوقت هجوم الفيروسات على البشر، ولكن الأبحاث تطور مقدرتنا على فهمها ومواجهتها بشكل أكثر فعالية.

‎التعليقات‫:‬ 1 On كوكب من الفيروسات

  • I do not even understand how I ended up here, however I assumed this publish was once great. I do not understand who you might be however definitely you’re going to a famous blogger in case you aren’t already 😉 Cheers!

‎التعليقات مغلقة