البجعة السوداء وتداعيات الأحداث غير المتوقعة

لفترة طويلة من الزمان، اعتقد الأوروبيون بأن البجع في العالم كله لها لون واحد هو الأبيض، وكانت تلك بالنسبة لهم قناعة راسخة. حتى أنهم وبسبب شدة اقتناعهم بذلك، شبهوا المستحيل بالبجعة السوداء!

مستحيل! كبجعة سوداء!

وعندما وصلوا إلى أستراليا في القرن الثامن عشر صُدموا بوجود بجع أسود .. كانت مفاجأة كبيرة لهم لإنها كانت تمثل كسر شي من اعتقاداتهم الراسخة على مر السنين.

طالب يتساءل: هل تكمن المشكلة في وجود بجع أسود أم في الإنسان الأوروبي الذي استسلم لقناعة عدم وجودها؟

فما هي نظرية البجعة السوداء؟  هي نظرية تقول بإن التنبؤ بالأحداث المستقبلية باعتمادنا على تجارب سابقة من الممكن جداً أن لا يقودنا للمكان الصحيح.

لماذا؟ لحتمية ظهور أحداث مستقبلية لا يمكن التنبؤ بها أو توقع حدوثها أو تحليلها قبل حدوثها! بمعنى آخر، قد لا تكون مشابهة أو مرتبطة بأي أمر حدث مسبقاً.

نعود لطالب، طالب هذا هو “نسيم نيقولاس طالب” من أصول لبنانية، ألَف كتاب: البجعة السوداء: تداعيات الأحداث الغير متوقعة.

وفيما يلي عرض بسيط لأفكار الكتاب.

نحن كبشر نأخذ المحفزات والبيانات المتوفرة حولنا ونقوم بتحويلها لمعلومات ذات معنى. ولكن، يطرح نسيم طالب تساؤله ، هل نتقنُ هذا الأمر فعلاً؟ فنحن نميل غالباً لتضييق دائرة تفكيرنا لنجعلها مرتبطة بمعتقداتنا وأفكارنا. فمثلا لوً آمنا بفكرة معينة حول شيء ما، فإننا نجعلها راسخة في عقولنا وغير قابلة للتغيير، ولكن بسبب تطور المعرفة عبر الزمن فمن الممكن أن تخرج حقائق تثبت عكس ما آمنا به. إن مشكلتنا تكمن في أننا نقوم بتحويل ما نصدقه أو نؤمن بأننا نعرفه إلى أشياء راسخة كالعقائد في عقولنا وغير قابلة للتغيير ، سواءً كانت أشياء صغيرة أو أشياء كبيرة جداً.

“البجعة السوداء” مصطلح يطلق على كل حدث دون ما نتوقع، وكان مخالفاً للأفكار والمعتقدات التي نؤمن بها. وتأثير البجعة السوداء بطبيعة الحال يختلف من شخص لآخر ومن مجتمع لآخر ومن دولة لأخرى. وأيضاً، من الممكن أن البجعة السوداء بالنسبة لشخص ما، هي حدثٌ متوقعٌ بالنسبة لشخص آخر، ما يحدد ذلك هو معتقدات كل شخص. كما أن هذه البجعة السوداء قد تقود لتغيير ما يؤمن به العالم ككل، وتجعله يعيد التفكير والبحث كما حصل مثلاً عندما أعلن كوبرنيكوس بأن الأرض ليست مركز الكون، كان الأثر هائلاً لإن هذا الإكتشاف كان بمثابة تحدٍّ لسلطة الكنيسة وللأفكار اللي تنشرها للناس حينها، ولمعتقدات الناس. ولاحقاً، تسببت في إنشاء المجتمع الأوروبي الجديد.

يؤمن الإنسان بأنه أذكى المخلوقات ومع ذلك فإنّ أمامه طريق طويل ليقوم بتغيير عاداته السيئة

واحدة من هذه العادات، رسم تخيلات للمستقبل بناءً على الماضي فقط. مع أننا نؤمن بأن الماضي مفتاح لتخمين المستقبل إلا إنه معتقد خاطئ في أحيان كثيرة. دعونا نقول بأن هناك شخصاً يؤمن بأن التغير المناخي ليس إلا مؤامرة للوصول إلى أهداف سياسية، حيثُ أنه بنى تلك المعتقدات بناءً على رأي شخصي لا أكثر، ثم شاهد أفلاماً وثائقية تثبت بأن هذا التغير حقيقيّ. ستصيبه صدمة في بادئ الأمر لأن ذلك سيخالف إيمانه ثم حين يقوم بتقبل الحقيقة  فستتغير نظرته لأمور أخرى أيضاً.

إن طريقة تصنيف عقولنا للبيانات اللي تتلقاها اختلفت عبر الزمن، لتغير حجم البيانات اللي يتلقاها في اليوم، فيحفظ المهم ويرمي الباقي، فتبقى بعض الذكريات على هيئة “قصاصات” غير مكتملة، فنحاول ربطها بطريقة تعطيها معنى أكمل.

فمثلاً إن كنا نحب الموسيقى، وسألنا أحدٌ عن سبب حبنا لها، قد لا نتذكر السبب تحديداً، لكن هناك في عقلنا قصاصة ذكرى بأن الأم كانت تغني لنا حينما كنا أطفالاً، فحتى لو لم يكونا مرتبطين ببعضهما، لكننا سنؤمن بأنا ذلك هو سبب حبا للموسيقى! سنعطي للذكرى معنى حتى لو لم يكن المعنى حقيقياً.

وتُقاس على ذلك أمور كثيرة. إن ذلك الربط لن يساعدنا أبداً للحصول على معانٍ حققية للأشياء حولنا. بمعنى آخر، الطريقة تلك لربط قصاصات الذكريات تجعلنا نهمل الأسباب الحقيقية وبالتالي قد تقود لتحليل خاطئ للأمور.

المصيبة الأخرى، عندما نحكم على مخاطر شيء معين بناءً على المعلومات الغير كافية التي نعرفها فقط، فإن الأمر يصبح كأننا نعامل الحياة ومخاطرها كلعبة لا أكثر، وبالتالي فأن القرار التي نتخذه قد يقود لبجعة سوداء.

دعونا نذكر مثالين، كازينو أراد أن يحقق أرباحاً هائلة بسرعة، بعد تفكير توصل المدير لقرار، أن يتم منع أصحاب الأرباح الكبيرة من اللعب مجدداً، وبالتالي لن تنقص الثروة. من جهة أخرى لم يُسرق الكازينو مسبقاً فتم تجاهل بناء نظام أمني قوي. حقق الكازينو الأرقام المطلوبة ولكن سُرِق بنهاية الأمر.

يمنعوا اللي يربحوا وايد من اللعب مجدداً وبالتالي ما تنقص الثروة.

إن الأمر مشابه لحال الذي يقود في شوارع المدن بسرعة جنونية معتمداً في ذلك على إيمانه بأنه سائق محترف، ثم تسبب ذلك في حادث مريع بسبب عدم توقعه لأمر ما، كظهور عائق أمامه.

من الطبيعي جداً أن لا نستطيع تقدير جميع المخاطر حولنا ولكن ما يجعل تحليلنا محدوداً أكثر أننا نعتمد على معرفتنا المحدودة فقط وأننا نتجاهل الأسباب والعوامل الأخرى، فبالرغم من أننا ندرك تماماً بأن المعرفة قوة إلا أننا وفي كثير من الأمور لا نضع بعين الاعتبار إلا ما نعرفُ فقط دون توسيع مداركنا ومعارفنا في ذات الموضوع.

لا توجد هناك طريقة لمنع كل المخاطر ومنع حصول البجعة السوداء فذلك أمر طبيعيّ ولكننا حينما ندرك محدودية تفكيرنا في مجال ما ورفعنا لزوايا رؤيتنا قبل اتخاذ قرار مصيريّ يساعدنا في اتخاذ قرارات أفضل حتماً. فأحد صفاتنا كبشر ما يسمى بالإنحياز المعرفي والذي يصبح أمراً سلبياً في كثير من الأحيان. ما يعنيه الإنحياز المعرفي أننا عندما نقوم بالبحث فإننا نبحث عن ما يدعمُ معرفتنا ونتجاهل ما قد يخالفها حتى لو كان صحيحاً. يقودنا ذلك إلى أن نفسّر أموراً كثيرة معقدة معتمدين فقط على نظرتنا ومعرفتنا الغير مكتملتين لكي نقوم بتبسيطها ثم نؤمن بالفكرة التي خرجنا بها حتى لو لم تكن جيدة. فهمنا لانحيازنا المعرفي يدفعنا للبحث عن معلومات أكثر لنصل لزاوية رؤيا أشمل وفهم أكبر.

مختصر حديثنا:

حكمنا على الأحداث المستقبلية اعتماداً على معرفتنا فقط وعلى أحداث ماضية فقط من دون البحث عن العوامل الأخرى قد يقود لوقوع بجعة سوداء! والسبب هو ثقتنا العمياء بتحليلنا للأحداث معتمدين على المعلومات المحدودة جداً التي نعرفها. وإننا نفعل ذلك حتى في حكمنا على الأشخاص وهو ما يدفعنا للحكم على أشخاص بشكل أعمى دون معرفتهم حق المعرفة.

‎التعليقات‫:‬ 1 On البجعة السوداء وتداعيات الأحداث غير المتوقعة

‎التعليقات مغلقة