لعنة دافنشي

اشتهر ليوناردو دافينشي الرسم بسبب أكثر أعماله شهرة ألا وهي الموناليزا. ولكنه لم يكن رساماً فحسب، بل كان أكثر من ذلك بكثير.

فقد كان مهندساً معمارياً ونحاتاً وخبير تشريح وغير ذلك. تعدد اختصاصاته وتوجهاته لم يكن يمثل أي مشلكة في تلك الحقبة، بل كانت مطلوبة، إلا أن الوضع تغير في العصر الحالي وأصبحت الحاجة لأصحاب الإختصاص الواحد الدقيق أكثر من الحاجة لأصحاب الإختصاصات السطحية. فتطور العلم ساهم في إيجاد تخصصات فرعية عديدة يصعب أن يتخصص شخص في أكثر من مجال منها. فمن هم إذاً أصحاب لعنة دافينشي؟

 

هم باختصار أصحاب المعرفة السطحية في مجالات مختلفة دون التعمق والتخصص في مجال معيّن منها. يطلق عليهم أيضاً Multi-Talented أي أصحاب المواهب المتعددة. وكما يُقال:

Multi-Talented people don’t fit into a world focused on specialization

أصحاب المواهب المتعددة لا يناسبون عالماً قائماً على التخصصات

ويعود سبب ذلك لأهمية التخصصات الفرعية الآن بعد تطور العلوم منذ القرن الـسادس عشر. على سبيل المثال، لم يكن هناك تخصص جراحة عمود فقري سابقاً ولكن بسبب تطور العلم ظهر هذا التخصص الذي يتطلب سنوات من الدراسة والتدريب بسبب تعقيدات العمود الفقري، وليس هذا إلا مثالاً واحداً على تطور التخصصات الفرعية، وهنا يكمن أكبر تحدّ لأصحاب لعنة دافنشي .. فمشكلتهم الأساسية هي حبهم لتعلم أشياء كثيرة في آن واحد فما إن يتعلمون الأساسيات في مجال معين حتى تخفت رغبتهم في المواصلة فينتقلون لمجال آخر ومهارة أخرى. فهم يفتقرون لمهارة إيجاد طريق محدد في التخصص في مجال محدد ولذلك هم يغيرون طريقهم باستمرار.

أحد مسببات لعنة دافنشي الخوف من المنافسة، فحينما نجد أن المنافسة تدفع البعض لبذل المزيد إلا أنها تدفع آخرين إلى الخروج منها والبحث عن مجال جديد. هم غالباً ما يتركون حقل معرفة معين أو علم ما بعد تعلم الأساسيات وبعد إقناع أنفسهم بأن الأمر بأنهم لو أرادوا اتقانه فلن يكون صعباً عليهم، فنجدهم يبحثون عن مجال جديد حتى لا يضطرون لمنافسة أحد وليبقى تقديرهم العالي لأنفسهم.

ومن الأسباب الأخرى التي تدفعهم لتغيير مجالهم، خوفهم من الإنتقاد، ولذلك لا يكرسون وقتهم في مجال واحد فحسب مما يجعل معرفتهم في مكل ما مروا به سطيحة لا أكثر. وهم ما يعبر عنهم بالتعبير الإنجليزي:

Jack of all trades, master of none

أي أنهم أصحاب مواهب متعددة ولكنهم ليسوا خبراء في أي مجال، ورغم أن ذلك قد يكون جيداً أحياناً إلا أن وجود تخصص محدد من المهارات المطلوبة لتقدم المرء. ومن المهم جداً أن يتم التنويه على أن القصود هنا ليس الهوايات الجانبية للتخصص. فنجد الكثير من المبدعين متخصصون في أمر ما ولكنهم يمارسون هوايات في مجالات مختلفة دون أن يكون ذلك سلبياً بل على العكس، إنه أمرٌ إيجابيّ.

بعد تلك المقدمة، نطرح السؤال المهم ..

هل يوجد حل للمصابين بلعنة دافينشي؟

أكبر فوائد تعدد المهارات أن صاحبها يميل للقيام بأعمال معقدة تتطلب أكثر من مهارة لإتمامها وبالتالي فإنهم إن وجدوا عملاً يستطيعون تكريس وقتهم له فإنهم سيقدون عملاً إبداعياً. المشكلة تكمن في تخصيص وقت لعمل أو تخصص معين. وهناك طريقة علمية تتكون من 3 خطوات:

 

الخطوة الأولى: القائمة

وتتلخص في أن يضع الشخص قائمة بجميع الأعمال والمهارات التي يحب أن يقوم بها أو يفكر في تعلمها مستقبلاً. وبعد أن يكتبها جميعها عليه أن يختار الأعمال التي تقع تحت ثلاث معايير: ممتعة، لديه المهارة الأساسية لها، يمكن أن تكون مصدر دخل. وأي مهارة أو عمل تقع خارج هذه الثلاث معايير، تُحذف دون تردد.

الخطوة الثانية: التقسيم

يتم تقسيم المتبقي من القائمة السابقة إلى 4 مجموعات.

  1. ذات مكسب مادي لكنها لا تحقق المعايير الأخرى بشكل كبير.
  2. نشاطات تحقيقها للمعايير محدود وذات مدخل مادي محدود.
  3. نشاطات ذات مكسب مادي ممتاز وتحقق المعايير الأخرى بشكل كبير ومن الممكن أن تصبح وظيفة الأحلام.
  4. نشاطات يحبها الشخص جداً لكنها دون مدخول مادي، من الممكن لاحقاً أن تتحول لمصدر دخل.

بعد وضع ذلك التقسيم المبني على مصفوفة BCG، نصل للخطوة الأخيرة.

الخطوة الثالثة: الاختيار

يختار الشخص الأنسب من الخطة ثم يضع خطة للتركيز عليه، وبعد فعل ذلك وكما هو الحال ي وضع أي خطة لشروع ما، هناك عقبات قد تواجه الشخص تتمثل في الآتي:

  1. الخوف
  2. المماطلة
  3. موانع الإبداع
  4. النرجسيىة
  • الشعور بالخوف أمر طبيعي، بل إنه مطلوب! فإن لم يشعر الشخص بأي خوف بعد وضعه لخطته أو إذا شعر باخوف الشديد فإن بها أمراً خاطئاً وتحتاج لإعادة مراجعة. فهناك خوفُ مطلوب، بين المدرك حسياً والشديد.
  • المماطلة والتأجيل أمرٌ شائعٌ جدّاً، إن لم ننتبه لها ولم نقاومها فقد تتحول إلى عادة يصعب عندها التخلص منها.
  • يمر كل شخص بيمرحلة يفقد فيها نشاطه وهمّته، وهو أمرٌ اعتيادي لكن يجب على تلك الفترة أن لا تطول أبداً. إن حدثت، إسأل نفسك: لماذا بدأتُ أصلاً؟
  • تقدير الذات أمرٌ مطلوب جداً لتحفيزها على الاستمرار ولكن يجب أن لا يزيد ذلك عن الحد مطلوب ثم يتحول إلى نرجسية قد تُسقطنا في دوامة من الهوس والكآبة.

أختصر الحديث بالقول بأن المصابين بلعنة دافنشي يعانون من عدم مقدرتهم على تكريس وقت خاص لتعلم نشاط أو تخصص محددين، ونحنُ هنا لا نتحدث عن الهوايات الجانبية، بل عن التخصصات والأعمال ذات المكسب الماديّ، ولكن بكل تأكيد هناك حل! وقد يقود الشخصَ لمرحلة إبداعية.

من المرجّح أن يعرف المهتمون بالغيتار ليو لوسبيناتو، أحد ألمع الأسماء في صناعة الغيتارات الكهربائية. كان ليوناردو أحد المصابين بلعنة دافينشي، فلم يترك مجالاً لم يعمل به، مثل البرمجة والحدادة والهندسة والكهرباء، حتى وصل للمرحلة التي لم يكن يعرف فيها ما الذي يريد تحقيقه. فبحث عن المهارة أو العمل الذي يتطلب مهارات متعددة للقيام به ووصل إلى صنع الغيتارات الكهربائية

وختاماً، بما أن ليو استطاع أن يحل مشكلته وأصبح مبدعاً في المجال الذي اختاره، فإن الباقين أيضاً لديهم نفس الفرصة.

 

‎التعليقات‫:‬ 1 On لعنة دافنشي

‎التعليقات مغلقة